أحمد بن علي القلقشندي

203

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

صوارمنا ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة يستظل الإيمان ، تحت لوائها ، وتعبق الأكوان ، بما تنطق به الألسنة من أروائها ، ويشرق الوجود بما يبدو على الوجوه من روائها ، وتجادل أعداءها في الآفاق لرفع كلمة ملَّتها على الملل وإعلائها ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء ، وأشرف حملة الأنباء ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه المخصوصين بأسنى مراتب الاجتباء ، صلاة دائمة بدوام الأرض والسماء ، وسلَّم تسليما كثيرا . أمّا بعد ، فإنّ أولى من فوّضت إليه زعامة الجيوش بأسنى الممالك ، وعدق به من تقدّم العساكر ما يرجف بمهابته هناك أرض العدوّ هنالك ، وعقد به للرعايا لواء عدل تجلَّى بإشراق ليل الظَّلم الحالك ، وعوّل عليه من جميل السّيرة فيما تعمر به البلاد وتأمن به الرعايا وتطمئنّ به المسالك - من لم يزل في خدمة الدّولة القاهرة سيفا ترهب العدا حدّه ، ويخاف أهل الكفر فتكاته تحقّقا أنّ آجالهم عنده ، ويتوقّع على كلّ كميّ من عظماء الشّرك أن رأسه سيكون غمده ، مع سياسة تشتمل على الرعايا ظلالها الممتدّة ، وسيرة تضع الأشياء مواضعها فلا تضع الحدّة موضع اللَّين ولا اللَّين موضع الحدّة ، وتوفّر على عمارة البلاد يعين على ريّها طلّ الأنواء والوابل ، وبراءة تجعل ما يودع فيها بالبركة والنّماء : * ( كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ) * ( 1 ) ولمّا كان الجناب العالي هو السّيف الَّذي على عاتق الدّولة نجاده ، واللَّيث الَّذي لم يزل في سبيل اللَّه إغارته وإنجاده ، والغيث الَّذي يخصب بمعدلته البلد الماحل ، والأسد الَّذي تصدّ ساكني البحر مهابته فيتحقّقون أنّ العطب لا السلامة في الساحل ، - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نزيد حدّ عزمه إرهافا ، وأن نرهب العدا ببأسه الَّذي يردّ آحاد ما تقدّم عليه من الجيوش آلافا ، وأن نفوّض إليه من أمور رعايانا ما إذا أسند إليه يوسعهم عدلا وإنصافا .

--> ( 1 ) البقرة / 261 .